الأحد، 7 سبتمبر 2014

من عجائب الكرامات

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وكافة المرسلين وعباده الصالحين

اللهم يا نور يا عليم أنت الذي وسعت كل شيء علما وأحطت بكل شيء حكما أسألك أن تصلي على محمد وآله وأن تنور قلبي بأنوار علومك
حتى لا أجد في الكون ذرة ولا رقيقة ولا دقيقة إلا وقد غشاها من نور العلم و الكشف ما يرفع لي عنها براقع اللبس حتى أشاهد بنور العلم ما انطوت
عليه من عجائب الأسرار وغرائب العلوم وبدائع الحكم وارزقني حظا وافرا من معارف أسمائك الحسنى ونصيبا جزلا من لطائف صفاتك العليا حتى يقوم حظي الخامل
بنور لطفك الشامل مرتقيا إلى طبقات السعادة ممدودا بالحسنى وزيادة وأسألك اللهم أن تكشف لي من علم حروفها على تفنن أنواعها و صنوفها ما يهجم بي على فكّ
رموزها واستخراج كنوزها حتى لا تشكل علي مواد إشكالها في ترتيبها على اختلاف معانيها في أفرادها وبسطها وتركيبها وأمدني بقوة منك أقتدر بها على استنباط ما أودعته
فيها من خفايا اللطائف واستخراج ما ضمنتها إيّاه من دقائق المعارف واجعل لي إلى استكشاف غوامضها سبيلا واجعلها لي في كل منطمس الصورة دليلا وسخرني اللهم لخدمة
علومك و أسرارك وأفتح اللهم علي في لذيذ مناجاتك وأذكارك خشوعا يقشعر به جلدي من باهر عظمتك ويطمئن به قلبي جذبا بشهود رحمتك وأذقني من لذة مناجاتك وحلاوة خدمتك
حتى لا أمل ذكرك ولا أنسى شكرك ولا ألتفت إلا إليك ولا أعتمد إلا عليك ضارعا إليك أن تهب لي من كل علم خالصه ومن كل سر خصائصه ومن كل لطف أكمله وأوفره ومن كل فضل
أتمه وأكبره ومن رضوانك أوفاه ومن علم الحقيقة أصفاه ومن علم الشريعة أكفاه ومن علم الطبيعة أغناه ومن سائر العلوم فوق ما أتمناه وقدس اللهم سر سريرتي ونور بصر بصيرتي
وأمنٍِّي من كل فساد مني وألهمني كمالات الأشياء وطرائق الأولياء وثبتني على مناهج الأنبياء واجعلني بك من الأغنياء وأيدني منك بحجة وبرهان ودليل و سلطان
واجعل صدري لسرك مسكنا وقلبي لنورك معدنا وكلي لذكرك موطنا وأمدني منك بنور العلم الوهبي و أعني على العلم الكسبي وعلمني من لطائف علمك الغيبي إنك أنت علام الغيوب
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
لما نتأمل هذا الخلق المحكم فاننا سندرك أنا لا نستطيع رؤية أكثر من ثلاثة أبعاد وذلك لحكمة الله في الخلق بما وهبنا من مدارك فنرى بذلك الأبعاد الأحادية والثنائية والثلاثية
فأسس هذا الخلق المحكم تقوم على أجسام مخلوقة متناهية الصغر لا سمك لها وتعتبر الوحدة البنائية الأساسية لكل العناصر التي تآلفت في محيطها واكتسبت نسب كتلتها لتكون
آية من آيات الله المودعات بحكمته وألطافه وعلمه المكين ، وكلما تعمق العلم في رصد جزئيات ما دون الذرة تراءى له تلك القوى المهيمنة المحيطة والمنيعة التي تحكمها وتبين
أن هذا الخلق المحكم قائم بقدرة الله الممسك بقواه والمتحكم في في أسسه وجواهره وتصرفه وصيرورته ومآله ومستقره ، وقد يحدث خرق لهذه النظم بما أودع الله في خلقه
من لطائفه لذلك كان هذا الخلق المحكم حقائقه أكبر من كل تصور محدود ، لأن هذا خلق الخالق العليم الحكيم بعلم نافذ و محيط ومهيمن ، وقد يندهش العلم وتربك العقول ازاء
هذا العلم المكين ، وقد يتراءى لنا العجب حتى أنا لا نستطيع أحيانا التصديق ، فقد يتداخل الزمان والمكان ويمكن للمكان أن ينطوي بحيث يمكن لأبعد نقطتين في الأرض أن يلتقيا
في ظرف معين بقدرة الله وارادته وتصبح المسافة بينهما صفر وكذلك الزمن المطلوب لقطع هاتين النقطتين حيث تصبح صفرا ، وهذه خاصيات مودعات بألطاف الله في جزئيات الذرة
وهو الذي يكسبها هذا التغير فتتراءى لنا هذه الألطاف فيما لا نعلم ، ولا يفوتني في هذا المقام الا أن أذكركم بحقيقة تتبعتها وفق هذه الأسس العلمية ، وهي حقا كرامة ذكرها أحد
الصالحين ووردت في كتاب ( بشور الهدية في مذهب الصوفية ) لأبي عبد الله محمد العربي الدرقاوي وهذا الشيخ هو الامام الزاهد والصديق العارف المحقق الواصل الشريف العربي
الدرقاوي كان كثير القيام والصيام والصدقة يختم القرآن كل يوم مجاهدا في سبيل الله وكان معروفا بلقب أبو درقة وضريحه مشهور بتامسنة بقبيلة الشاوية قريبا من وادي الربيع بالمغرب ، وكان
أمره في شبابه شديد التحير ، وهذا التحير كثيرا ما يعتري أفراد آل البيت رضي الله عنهم وسبب ذلك شدة التعظيم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن الكرامات المحققة أنه كان يقوم
الثلث الأخير من الليل ويذكر الاسم الجليل الله ، ويقول الشيخ الامام عن هذا الاسم الجليل : وأذكر الاسم الجليل الله وأعرف كيفية في ذكره وقفت عليها عند الشيخ الشاذلي رضي الله عنه في بعض الكتب
وعلمني أيضا أستاذي كيفية أخرى أقرب منها وأصوب والله أعلم وهي أن نشخص حروفه الخمسة بين عيني وقت ذكره من غير أن نرسمها بحائط أو بحجر انما نشخصها بين عيني فقط ومهما زهقت عنها
رجعت اليها ولو زهقت عنها ألف مرة أو أكثر بالساعة رجعت اليها فأنتجت لي هذه الحالة فكرة عظيمة فكانت تأتيني بعلوم وهبية دائما وأنا أتركها لها ولا أقف معها قط والبشرية اذ ذاك تتضاعف والنورانية
تتقوى كل وقت وحين حتى أتتني ذات ليلة بقوله تعالى : (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) الحديد ، الآية 3 . فتركت قولها كما هي عادتي معها فلم تتركني هي بل قالت هو الأول والآخر والظاهر والباطن
فقلت لها اذ ذاك : فأما الأول والآخر والباطن فقد عرفته حقا وأما الظاهر فلا نرى ظاهرا الا المكونات ، فقالت لي : لو كان المراد بالظاهر غير ما ترى لكان ذلك باطنا ولم يكن ظاهرا وأنا
أقول لك الظاهر والباطن فهمزتني بسطوتها وغلبتني بعنايتها حتى سكت عن جوابها اذ لم تبق لي حجة قط عليها اذ تحققت بأن لا موجود الا الله وليس في الكون الا هو والحمد لله والشكر لله ، ثم
أخبرت أستاذي بذلك ففرح بي غاية الفرح وسر بي غاية السرور وعاد يتكلم معي في التوحيد الخالص ولا يبالي ، وهذه هي الكرامة التي أذهلتني حقا والتي جاءت حقا على لسان صدق حيث قال
الشريف سيدي العربي الدرقاوي ( كنت ذات يوم أغتسل غسل جنابة بشعبة خالية بقرب دارنا الكائنة بقرب ضريح الولي الصالح سيدي أحمد بن يوسف نفع الله به بربع بومعان بالقبيلة الزروالية
اذ وجدت نفسي بجبل عظيم محيط بالدنيا وراء ما في علمي وهو على لون الخضرة وليس به عمارة ولا بجواره بل بعيد من العمارة غاية البعد ، وأنا في حالتي هناك أغتسل بقرب داري من غير زيادة ولا نقصان
فتحيرت في أمري غاية اذ وجدت نفسي في كلا الموضعين في وقت واحد ثم طال الأمر بي هكذا وقد بعد ما بين الموضعين غاية البعد ، وعادتي أن أطول في الوضوء والغسل ثم اني لما طالت حيرتي
تفرست بعقلي في حالتي غاية الفراسة هل هي كما وجدت أم هو حلم أو عبث فصح عندي أني كنت ببني زروال وبجبل قاف في وقت واحد ثم طال الأمر بي هكذا حتى فرغت من الغسل وانصرفت
فحينئذ فقدت الجبل ووجدت بني زروال ، والله على ما نقول وكيل ، والسلام ) ، فسبحان الله فالمؤمن ذو همة عالية وقلبه تغشاه الرحمة و تأخذه الرهبة والهيبة خوفا وتعظيما لله، و يعتريه
وجل عظيم وقلبه في مناجاة دائمة مع الله الذي يحيي قلبه بالايمان.

والايمان حقيقته وغايته ارتقاء ومعرفة والحق كل الحق أن تعرف ربك الواحد الأحد، وأن يكون همك في الحياة الله عز وجل ، فهو سبحانه عظيم الصفات ، وصفاته سبحانه صفات مطلقة ،
ويسعى عباده الموقنون أن يتحلوا ببعض هذه الصفات العظيمة فيرتقوا بايمانهم لينالوا من فضله ورحمته .

ومن يتأمل صفات الله عز وجل العظيمة بمطلقها فهي الكمال ، فمن ارتقى بايمانه درجات نال معرفة بمعنى آخر ما قاله سيد المرسلين والعارفين محمد صلى الله عليه وسلم :من عرف نفسه فقد عرف ربه
و قال أحد العارفين : معرفة الحق هي اثباث وحدانيته على ما أبرز من الصفات .
وعن ابن المبارك قال : المعرفة هي أن لا تتعجب من شيء ، يعني أن العارف لا يتعجب مما فوق قدرته لأنه يعلم أنه ما يحدث ما حدث الا بالله ، وقال
النوري : لا دليل على الله الا بسواه ، وقال الامام علي كرم الله وجهه باب مدينة العلم : عرفت الله بالله ، وعرفت ما دون الله بنور الله يعني هو الذي خلق
الخلق وجعل لهم المعرفة به نورا يستضيئون بها فمن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ، أي من لم بجعل الله له معرفة فما عرف شيئا وصار الى الجهل والظلام والكفر والضلال

وهؤلاء القوم هم الذين وصفهم سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بما يؤتون من عمل وقلوبهم وجلة ، ومن وجلهم يقبلون على الله بصدق الالتجاء واظهار الفاقة ودوام الافتقار

وحب الله عز وجل حاضر بقوة في قلوبهم ما يجعلهم يستقيمون على طاعته ، والاجتهاد في مرضاته ومن علامات حب الله كثرة ذكره وأن تحب ما يحبه سبحانه ، والخوف
والحياء ، والرضا بقضائه وقدره ، وتصحيح المعاملة مع العباد ، والاستغفار والتوبة ومحبة كلامه القرآن
وأرباب القلوب من شيمهم التواضع للعباد والصدق في التعامل والاستقامة واحتمال
الأذى من الخلق والايثار، والشفقة والرحمة مع عباد الله ، وقوة اليقين والتجاوز والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة ، والسهولة ولين الجانب والنزول مع الناس الى
أخلاقهم وطباعهم ودعوتهم دون تعسف أو تكلف ، والانفاق من غير اقتار والقناعة ، وترك المراء والمجادلة، والغضب الا لحق، واعتماد الرفق والحلم والتودد ، والدعاء للمسلمين كافة

وكلما صفت نفوسهم من الأذران والكدورات وتوجهوا الى رب العالمين نالهم صفاء وغمر قلوبهم حب الله واغترفوا من فضله ورحمته، ومن عرف الله تعالى عن طريق المحبة أحبه فقربه وعلمه ومكنه

والمحبة عند الشبلي هي صراط الأولياء وتقويتها تكون بالهمة فمن ملت همته ضعفت محبته

جاء في الحديث القدسي : لم تسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن .

الخميس، 21 أغسطس 2014

لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وعلى كافة المرسلين وعباده الصالحين

تقديم :

خلق الله عرشه ووصفه بالمجيد والعظيم والكريم ليتسق الفهم في الادراك لفهم عظمة الله ومجده وعزته وملكوته وهذا يعني أن الله تعالى تام القدرة والحكمة والاحاطة فلم يخلق الله العرش لأنه محتاج اليه بل هو غني عمن سواه فحملة عرشه محمولين له محفوطين بعنايته فكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته وهو الحامل ما في البر والبحر الممسك
السموات والأرض أن تزولا فالمحمول هو ما سوى الله والعرش كان على الماء والرب فوقه بقهره وقدرته واحاطته وعلوه
وقد خصص الله بأن أضافه الى نفسه تشريفا وتنبيها على أنه أعظم مخلوقاته من حيث الاتساع والبهاء
والحسن والجمال ما لا يعلمه الا الله ، ولا يجوز أن يتوهم متوهم أن تخصيص الله للعرش بالذكر يقتضي أن يكون الله مستقر عليه بل وصفه الله بالمجيد ويعني أن قدرة الله نافذة في كل شيء وتعالى الله علوا كبيرا فهو رب العرش عما يصفون
ووصف الحق سبحانه العرش بالكريم ، ويعني ذلك أن علم الله مشع مبارك تتجلى منه أنواره ومكارمه وبركاته الزكية فهو سبحانه رفيع الدرجات ذو العرش فتعالى الله الملك الحق المبين لا اله الاهو رب العرش العظيم .

قال الامام الجنيد رحمه الله من لم يعاين صفات الله أجمع دقائقه ولطائفه ، لم يوحد الله ولم يعرفه ، فالطريق من داخل المعرفة .

ورد في القرآن الكريم ذكر الماء متشابها والذي هو محكم عند الله ليتسق الفهم في الادراك لفهم عظمة
قدرة الله في خلقه وعلمه وحكمته وبديع أنوارملكوته

كلما ترسخت المعارف لدى الانسان انقشعت لديه الحجب والغيوم ووصل بوعيه وادراكاته الى الأسمى والأرقى وصحح تصوراته عن الكون والانسان والقرار وتبينت له خيوط الحقيقة جلية مما يضفي سكينة على سماته السيكولوجية والعقلية وواكب مسارات حياته بتعقل وبصيرة مدركا كل الأبعاد المحيطة به وحقائقها الظاهرة .
وبحل معادلات النسبية تبين خطأ نظرية الكون المستقر وتم التخلي عنها وثبت علميا أن الكون له بداية وأن الكون فتق من رتق بعلم الله تعالى الذي أنشأ الذرة بمواصفاتها العجيبة وخصائصها المتفردة بانسياب فائق ودقيق بين مختلف العناصر المخلوقة مما يضفي عليها ساحرية وجمال في محيطها البديع ، ولم يستطع أي عالم أن يفسر سبب القوى الموجودة في الذرة ومن ثم الموجودة في الكون وهذه القوى هي سر هذا التوازن الجلي في الكون ، وهذا ناشئ عن قدرة الله تعالى وعلمه المحيط وحكمته المطلقة التي أعطت للمادة رونقها وجمالها بنسب غير متفاوتة في جزئياتها ومقاييس تخضع لنظم محكمة ، والمتأمل يرى عجبا عجابا لا يحاكي أيا من المعارف لأن طريقة عملها خاصة وفريدة ومتألقة لا تخضع لحدود سمات العقل ومواهبه ويتطلب الفهم نوعا كبيرا من الخيال ، ونتيجة لعجز العلماء التام عن تفسير هذا السلوك المتفرد لبنائيات الذرة ومكنوناتها وتفاديا لهذه الورطة أطلقوا اسم (الحركة الكمية الميكانيكية ) ولولا هذه الخصائص المتفردة الغير المفهومة في طبيعة المادة والمختلفة عن كل أصناف العلوم ما كان هذا البناء الذري الذي به قامت السماوات والأرض وما لاحظنا هذه الظواهر في الكون والمظاهر البديعة في الطبيعة بساحريتها وجمالها البديع وهذا الرونق في بناء الكون بمنظوماته وأجرامه وهو عبارة عن نظام مدهش موزون يأخذ بالألباب والعقول .

و تعد الذرة نواة في هذا الخلق المبارك بتفاعلاتها وطاقاتها وقواها وأسرارها الخفية ، وكلما تعمق فيها الانسان ازدادت متاهاته ومجاهله ، وأدى ذلك به الى عدم الفهم والحيرة ، والذرة أسرارها المحركة مودعة باحكام في قلبها ونواتها ، ولا يستطيع الانسان أن يفهم حقائقها المطلقة ، لذا فالذرة لغزها هو النواة أو القلب وعملها المحرك والعميق لا يخصع للمراقبة أو الدراسة ولا تفسير لذلك في المصطلحات المادية ، وهي في عمل دائب ومستمر ولها غاية ومستقر خاضع لمشيئة مهيمنة ، ومن آياتها الحكيمة وترية وترددات وطواف وسعي لجزيئياتها الغير المرئية في محيطها الذري ، وسرها وغاية غاياتها مسطر و مكنون، وهذا يؤدي بنا الى فهم أسس مغايرة لهذا الخلق المبارك وفيه من الأسرار العظيمة التي تبعث على الدهشة أودعها العليم الخبير بعلمه لتكون آية من آياته المسبحة في ملكوته..
وتشكل الذرة وحدة بناء كل المادة الموجودة في الكون ، والعلم لم يستجل بعد أعماق حقائق الذرة خصوصا علم الجسيمات
دون الذرية منها sub- particles وان كان المثير حقا في هذا العلم الذي يدرس الجسيمات الأساسية للذرة أنه حتى
في أعماق هذه الجسيمات بصغرها الذي يتخطى كل حدود أو خيال نجد هناك وحدة في البناء والتماسك ووحدة في التوازنات
والتفاعلات المحبكة باتقان محكم ، ولعل طبيعة وخواص هذه الجسيمات وفقا لعناصرها المودعة يؤلف بين عدد من النظم في
الكون البديع المقدر بعلم ، وكيف تفتق من رتق متكامل بعناصره المحبوكة الى حركات وتدفقات موجية مولدة المادة والطاقة لتشكل
عموم الكون في سعته وتمدده الى ما شاء الله
والمتأمل في المنظومة الذرية والمنظومة الكونية سيلاحظ تلكم الفراغات الهائلة وهي ما عبر عنها كتاب الله عز وجل ( وما بينهما ) وهي اشارة
عميقة في هذا العلم الجلي الذي ينقلك الى أعماق مكنونات الذرة بصفاتها وجسيماتها وما دونها والتي تشمل خصائص لم يكشف عنها العلم الحديث
ولولا هذه الخصائص المودعة في المنظومة الذرية ما قامت للكون قائمة ، فالرمل اذا جاءته الريح تظهر عليه تموجات وطرائق وكذلك الماء وتسمى
هذه التموجات والطرائق حبكا ، وان أي ارتقاء الى السماء لا يمكن أن يكون سليما دون مراعاة قانون العروج ، وهي خاصية أخرى عميقة وفاعلة
نجدها في أعماق مواصفات الذرة والتي أسماها العلم بقوى الجذب والطرد
ان أبعاد الحدود في المادة لا يفسر الا بالمادة والطاقة في أصغر منظومة أو في أكبر منظومة وتفاعلهما وفق نظام بديع وصنع متقن وتوازن محكم بين
القوى المهيمنة والتي تجلي لنا علما محكما بين كل الأجزاء العميقة لهذه الجسيمات وما دونها في عوالم لا نهائية من الأسرار البديعة في هذا الخلق المحكم
والبديع ، فسبحان الخالق
فما تفسير هذه القوى الخفية ومصدرها وفقا لنظرية الأوتار الفائقة ( الماء ) هذا الماء الذي ورد متشابها في بعض الآيات
والذي هو محكم عند الله ؟ فبمقتضى نظرية الأوتار فإن محتويات الكون ليست جٌسيمات أولية Particles، بل خيوط دقيقة جداً، ذات بُعد واحد أشبه بأشرطة مطاطية متناهية الدقة، تتذبذب إلى الأمام والوراء ، وتقول هذه النظرية أن الأوتار مقومات مجهرية فائقة الصغر تتكون منها الجسيمات الدقيقة التي منها تتكون الذرات وعليه فإن لبنات الطبيعة الأساسيه تتكون من أوتار دقيقه مهتزة تأخذ شكل الماء في تماوجها العجيب، فإن كان ذلك صحيحا فإن كل أشكال المادة بدءا من أجسادنا وانتهاءا بالنجوم البعيدة تتكون في الجوهر من أوتار.
لم يشاهد أحد هذه الأوتار ذلك أنها أكثر الأوتار ضآلة من أن ترى أو تلاحظ ويبدو عالمنا وفقا لنظرية الأوتار الفائقة مصنوعا من جسميات نقطيه لأن أدوات قياسنا بدائية وبسيطة لدرجة لاتسطيع معها أن تتحسس تلك الأوتار الضئيلة ، وطول الوتر، كما يصفه أصحاب هذه النظرية، أصغر بمقدار مئة بليون بليون مرة من نواة الذرة و تنص النظرية بأن الوتر (الوحدة البنائية الأساسية للدقائق العنصرية من إلكترونات و بروتونات و نيترونات و كواركات) من المحتمل أن يكون عبارة عن خيط دائري مغلق ومن المحتمل أيضا أن يكون خيط مفتوح بطرفين.
وكما يستجلى أنه لا يحدث أي فوضى
داخل الذرة وما دونها رغم حركية
الالكترونات بسرعة لا تصدق وهذه الالكترونات هي في حقيقتها جسيمات تبدو بخصائص متفردة منها طاقية ومنها مادية ،
فما تكون هذه الأوتار الفائقة مادة أو طاقة مع العلم أن
كل وتر من هذه الأوتار حجمه صغير جدا مقارنة بالذرة فهو كحجم شجرة من حجم كوكب الأرض ولكم أن تتخيلوا ذلك اذ يتعدى حدود الخيال، وكل اهتزاز معين لتلك الأوتار يعطي الجزيء
خصائص مختلفة، فقد يشكل الاهتزاز جزيئا مكونا لذرات المادة أو الطاقة أو الجاذبية، إلكترونات أو جزيئات ألفا أو بيتا أو أدنى فكل ما في هذا الكون من مادة
أو طاقة أو شحنات هي في الواقع أوتار لكنها مهتزة بطرق مختلفة ، والفرق الوحيد بين الجزيئات التي تعطي مادة الخشب والجزيئات التي تعطي طاقة الجاذبية
هو طريقة اهتزاز تلك الأوتار فقط فكانت نظرية الأوتار الفائقة حلقة الوصل بين ميكانيكا الكم والنظرية النسبية
مع العلم أن الخط الفاصل للوجود المادي هو الكواركات وبعد هذه النقطة الفاصلة لا يمكن التعبير عن كل الأشياء الموجودة الا باعتبارها أنها طاقة ، ويبقى
التصور النظري بعد هذه الحدود بحاجة الى اثباث ، والكون آية من آيات الله في خلقه وكل محدود هو مخلوق متناهي مقهور للحدود ومتسم بالفقدان والانعدام
والنقص والحاجة وكل الأسئلة التي يطرحها العقل هي في نطاق حدوده المادية كالأينية والمكانية والزمانية والنسبية والقبلية والبعدية والأحجام والمقادير ، وهذا
من أهم ميزات المعرفة العقلية ، ولا يمكن تصور أبعاد تتخطى حدود العقل ان لم يكن سلاحها عل الأقل القليل من العلم لأن الذي يفسر الماء الذي هو من عالم
الملكوت بأنه هو الماء المعروف في محيطينا المخلوق فهذا ضرب من الخبال ، ولا مجال لتصور الأبعاد المادية المخلوقة بالمطلقة ، وهناك ظواهر لا محدودة هي
في حقيقتها تفاعلات عميقة تحدث في محيط الذرة ومجالاتها فتجعل مواصفات معينة ودقيقة ولولاها ما رأينا هذه النظم المودعة في الكون بهذه الدقة ، وهذا
الاتزان الدقيق في المحيط الذري بحيث لا نجد أي تفاوت في هذا الخلق المحكم البديع بآياته التي لا تعد ولا تحصى ، فلا يجب أن نسقط في المجردات علما أن كل
مخلوق هو مفتقر ، فوصف السماء بالسقف المحفوظ فهنا اشارة الى خاصية معينة في التركيب الذري وهي خاصية علمية عميقة نجدها في بناء الغلاف الجوي
للأرض ، وكم من الظواهر المحيطة بنا ولا يمكن أن تستجلى الا بالعلم وما يحيط بالذرة في محيطها المتفاعل بانسيابية عالية وفائقة ، وهناك آليات محكمة
منتظمة ومتفاعلة في كل جزء من المليون في الثانية أو أقل من ذلك .
ان الذي يعتقد أنه وصل بعلمه الى مشارف الحقيقة فهذا هو عين الجهل والطلب في هذا العلم هو عين البعد فتسقط كل الأقيسة والرسوم من حسم العقل
ان اغتر الانسان فليس لنا من العلم الا القليل، فكل جزئية في الدين قاصدة مقصدا ساميا سواء في الجانب المبدئي والعقائدي أو من جانب السلوك الأخلاقي ، أو
العلمي وتطوير كثير من المناهج والأدوات أصبح ضرورة ملحة لربط هذه المقاصد بالمعارف البرهانية المختلفة والتي ترقى بالانسان فكرا وسلوكا
وفق الغايات الاحسانية والعدلية .
والعبد يقيس الأشياء بحسب ما يتعقله ، والعبد كلما تصور شيئا كبيرا الا وطمح الى ما هو أكبر منه ، وهذا من صفة العقل المخلوق المفتقر الى الكمال
الذي ميزته الادراك والاحاطة ، والعقل يبني معارفه على أساس المنطق السليم ليصل الى استلهام الحقائق مدركا أبعادها وجوانبها الخفية ، لذا نجد أن
دلالة المعجزة عقلية ، ومن ميزة العقل أنه اذا أتعظ أطاع وأصبح عقلا نافعا مدركا واستضاء من نور المعرفة واتخذ سبيل التقوى في مرضاة الله تعالى حريصا على طاعته .
فالمنهج في دراسة وتفسير معادلة الكون عند الغرب تبدأ من الفيزياء والبحث في الجسيمات الأساسية للمادة، ولقد تعددت نظريات وفرضيات الفيزيائيين منطلقين
من مبادئ وأسس الميكانيك الكوانتية في نطاق المادة الجدلية ووضعوا دراسة لطيف الكتلات وصنفوا التفاعلات لجزيئات عناصر الذرة في أقصى تركيباتها والنتائج
المحصلة في نظرية ميكانيكا الكم جعلت الفهم بأخذ بعدا آخر في المراقبة والقيام بتجارب أعمق في مكونات الذرة.
وعندما نتأمل هذا الوجود من حولنا نحس أن هناك تناغما بين ما يكوننا وطبيعة هذا الخلق العظيم بعظمة الله عز وجل وكلما كان هذا التناغم أكبر الا واشرقت أسرار وراء
هذه الطبيعة وأصبح الوجود أكثر رونقا في النفس ، وأطلت تباشير يوم موعود ، ورفرف الحنين والشوق واستنشق تسابيح رنامة من صبح موعده قريب ، ويطير الحنين والشوق
الى ما هو أرحب ويلمس نورا رسمته حجب العزة في سرادقات ملك عظيم ، فسبحان الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، لا يعجزه شيء
سبحانه وتعالى في الأرض ولا في السماء ، العقول لا تدركه والقلوب تفقهه لأنها موصولة بعالم الملكوت
والمادة المخلوقة لا تفسر الا بالعلم ومعادلات رياضية دقيقة وعميقة ولكن الانسان لا يستطيع تفسير أعماق بنياتها وأسسها الراسخة الا
ما يظهر من تفاعلاتها المسطرة بعناية في هذا الكون الفسيح والبديع .
وعندما تقدمت العلوم الفيزيائية أشواطا وظهرت الى الوجود نظرية ميكانيكا الكم وهي بحث عميق في أسرار الذرة ومكوناتها وجزئياتها ، وعلى
أساس ذلك شيد الغرب مسرعات هائلة لادخال عنصر المراقبة لفهم أسرار الذرة وشرح ألغازها ، والغرب في شروحه يفسر دائما العقل على أساس آلية
الدماغ ، وذهبت دراسات غربية في هذا المجال وتعمقت في تفسير هذا اللغز المثير وذهبت أبحاثهم الى أن لا نهاية في رصد أدق الجزئيات وهناك دائما ما
دون هذه الجزئيات في عوالم لا متناهية من الصغر ، وهناك نسبية لا تدرك أبعادها ، وبعد حيرة لاحت في الأفق تصريحات لعلماء غربيين وقالوا : اذا كانت
الذرة في أدنى مستوياتها لا تفهم الا بالعقل ، فان العقل يعد من الأسس المطلقة في هذا الوجود..
والذرة نظام فريد ومتوازن ودقيق مبني على أسس معادلات محكمة وتمثل الذرة أساس كل شيء حي أو غير حي ، ويتجلى هذا التوازن في ثلاث قوات تنافرية
وفق سرعات محددة مما يجعلها دون أن تنهار ولو حدث تفاوت ضئيل في هذه البنية سواء في ضعفها أو شدتها ما تماسكت الذرة بعناصرها المختلفة ، وهذا
التوازن في بنية الذرة يعطيها هذا الانسياب الرائع في محيطها ويبرز ظواهر هذا الخلق البديع في أبهى حلله ومظاهره .
وهناك اشارة عميقة الدلالة وردت في النشأة الكونية قلما تنبه اليها العلماء وهي أكبر كدليل ظاهر وبين أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، وهذه
الأسس الظاهرة وهذه الصفات الكمالية الظاهرة المخلوقة ليست الا دليلا على كماله سبحانه من خلال آياته ، ومن المعلوم أن كل شيء يشهد لنفسه ، وثبوث الشيء
لنفسه ضروري ، فالعقل أينما اتجه بمعارفه يكتشف أسسا راسخة ومطلقة دالة على معادلات منيعة وحكيمة وهذا أعظم برهان على وجود الخالق العليم ، فالتتبع
الفكري لأي جزئية مهما صغرت وتضائلت قد لا يحيط بها الفكر وبمجالاتها الباهرة والمتكاملة الغير المحدودة والتي لا تنتهي الى حد أو مكان أو نظرية أو ما شابه وهي ظاهرة بخلاف كل شيء مخلوق .
فهناك وحدة شاملة في الكمال والجمال والصفات المحكمة والمتماسكة في آية بديعة من خلق الله عز وجل ، والآية العجيبة في هذا الخلق المحكم والبديع
أن التركيب الذري الذي يعد بناءا في أعمق مواصفاته تحكمه قوى خفية ، ومن ميزة هذه القوى أنها تحفظ نواة الذرة سليمة وتمنعها من التجزؤ وهو ما
عبر عنها سبحانه بالمسك ، والذرة تحافظ على تماسكها بفضل قوتين متفاعلتين ، وهناك توازن دقيق ومحكم يظهر في أعماق الذرة ومواصفاتها التي شدت
وأحكمت ، ولغويا نقول حبك وشد الحبل أي اذا أحكم ربطه وهذا ما عنته الآية في أجزل عبارة وأدق اشارة ، وهذا البناء المتماسك يأخذ صفة الجمال والبهاء وزينة
في أكمل نظرة متماوجة بمعارجها وطرائقها ، والسماء سماء بتركيبها الذري ومنظومات مركبة بانسياب هائل وفائق ومحكم وفق تشكيل بديع بأعمدتها وجسورها وخيوطها
المحبوكة باتقان ، وهذه التوازنات المحبوكة لم تنشأ صدفة بل بقدر عظيم من الحكمة وخلق واع مبدع ، كما أن هذه الحبك هي من تآلف عناصر مختلفة والتي تؤلف الكون
في انسياب فائق ومنظومته الذرية ما يعطيه هذه الجمالية الرائعة ، والثوب المحبوك هو الثوب التي تظهر فيه أثر حسن الصنعة ، فسبحان الخالق العليم الذي ألف
بين عناصر هذه الجسيمات المادية الأولية التي بتراكبها تكونت الذرات في رتق لتتفتق بعناصرجسيمات ذراتها فتشكل عموم الكون البديع ، وهذا ناشئ عن قدرة الله تعالى وعلمه المحيط وحكمته المطلقة التي أعطت للمادة رونقها وجمالها بنسب غير متفاوتة في جزئياتها ومقاييس تخضع لنظم محكمة ، والمتأمل يرى عجبا عجابا لا يحاكي أيا من المعارف لأن طريقة عملها خاصة وفريدة ومتألقة لا تخضع لحدود سمات العقل ومواهبه ويتطلب الفهم نوعا كبيرا من الخيال ، ونتيجة لعجز العلماء التام عن تفسير هذا السلوك المتفرد لبنائيات الذرة ومكنوناتها وتفاديا لهذه الورطة أطلقوا اسم (الحركة الكمية الميكانيكية ) وكما ذكرت لولا هذه الخصائص المتفردة الغير المفهومة في طبيعة المادة والمختلفة عن كل أصناف العلوم ما كان هذا البناء الذري الذي به قامت السموات والأرض وما لاحظنا هذه الظواهر في الكون والمظاهر البديعة في الطبيعة بساحريتها وجمالها البديع وهذا الرونق في بناء الكون بمنظوماته وأجرامه وهو عبارة عن نظام مدهش موزون يأخذ بالألباب والعقول .

وهل سطع نور الا بظهوره وهو الظاهر سبحانه
فيا جامع الكمالات يا ذا الفضل العظيم
تقدست وتعاليت ، ونشهدك ونشهد حملة عرشك
وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا اله الا أنت وحدك لا شريك لك
وأن محمدا عبدك ورسولك .

الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

أنوار اليقين 2

 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وعلى كافة المرسلين وعباده الصالحين

تقديم :

 خلق الله عرشه ووصفه بالمجيد والعظيم والكريم ليتسق الفهم في الادراك لفهم عظمة الله ومجده وعزته وملكوته وهذا يعني أن الله تعالى تام القدرة والحكمة والاحاطة فلم يخلق الله العرش لأنه محتاج اليه بل هو غني عمن سواه فحملة عرشه محمولين له محفوطين بعنايته فكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته وهو الحامل ما في البر والبحر الممسك
السموات والأرض أن تزولا فالمحمول هو ما سوى الله والعرش كان على الماء والرب فوقه بقهره وقدرته واحاطته وعلوه
وقد خصص الله بأن أضافه الى نفسه تشريفا وتنبيها على أنه أعظم مخلوقاته من حيث الاتساع والبهاء
والحسن والجمال ما لا يعلمه الا الله ، ولا يجوز أن يتوهم متوهم أن تخصيص الله للعرش بالذكر يقتضي أن يكون الله مستقر عليه بل وصفه الله بالمجيد ويعني أن قدرة الله نافذة في كل شيء وتعالى الله علوا كبيرا فهو رب العرش عما يصفون
ووصف الحق سبحانه العرش بالكريم ، ويعني ذلك أن علم الله مشع مبارك تتجلى منه أنواره ومكارمه وبركاته الزكية فهو سبحانه رفيع الدرجات ذو العرش فتعالى الله الملك الحق لا اله الاهو رب العرش العظيم .

قال الامام الجنيد رحمه الله من لم يعاين صفات الله أجمع دقائقه ولطائفه ، لم يوحد الله ولم يعرفه ، فالطريق من داخل المعرفة .

ورد في القرآن الكريم ذكر الماء متشابها والذي هو محكم عند الله ليتسق الفهم في الادراك لفهم عظمة
قدرة الله في خلقه وعلمه وحكمته  وبديع أنوارملكوته

كلما ترسخت المعارف لدى الانسان انقشعت لديه الحجب والغيوم ووصل بوعيه وادراكاته الى الأسمى والأرقى وصحح تصوراته عن الكون والانسان والقرار وتبينت له خيوط الحقيقة جلية مما يضفي سكينة على سماته السيكولوجية والعقلية وواكب مسارات حياته بتعقل وبصيرة مدركا كل الأبعاد المحيطة به وحقائقها الظاهرة .
وبحل معادلات النسبية تبين خطأ نظرية الكون المستقر وتم التخلي عنها وثبت علميا أن الكون له بداية وأن الكون فتق من رتق بعلم الله تعالى الذي أنشأ الذرة بمواصفاتها العجيبة وخصائصها المتفردة بانسياب فائق ودقيق بين مختلف العناصر المخلوقة مما يضفي عليها ساحرية وجمال في محيطها البديع ، ولم يستطع أي عالم أن يفسر سبب القوى الموجودة في الذرة ومن ثم الموجودة في الكون وهذه القوى هي سر هذا التوازن الجلي في الكون ، وهذا ناشئ عن قدرة الله تعالى وعلمه المحيط وحكمته المطلقة التي أعطت للمادة رونقها وجمالها بنسب غير متفاوتة في جزئياتها ومقاييس تخضع لنظم محكمة ، والمتأمل يرى عجبا عجابا لا يحاكي أيا من المعارف لأن طريقة عملها خاصة وفريدة ومتألقة لا تخضع لحدود سمات العقل ومواهبه ويتطلب الفهم نوعا كبيرا من الخيال ، ونتيجة لعجز العلماء التام عن تفسير هذا السلوك المتفرد لبنائيات الذرة ومكنوناتها وتفاديا لهذه الورطة أطلقوا اسم (الحركة الكمية الميكانيكية ) ولولا لهذه الخصائص المتفردة الغير المفهومة في طبيعة المادة والمختلفة عن كل أصناف العلوم ما كان هذا البناء الذري الذي به قامت السماوات والأرض وما لاحظنا هذه الظواهر في الكون والمظاهر البديعة في الطبيعة بساحريتها وجمالها البديع وهذا الرونق في بناء الكون بمنظوماته وأجرامه وهو عبارة عن نظام مدهش موزون يأخذ بالألباب والعقول .

و تعد الذرة نواة في هذا الخلق المبارك بتفاعلاتها وطاقاتها وقواها وأسرارها الخفية ، وكلما تعمق فيها الانسان ازدادت متاهاته ومجاهله ، وأدى ذلك به الى عدم الفهم والحيرة ، والذرة أسرارها المحركة مودعة باحكام في قلبها ونواتها ، ولا يستطيع الانسان أن يفهم حقائقها المطلقة ، لذا فالذرة لغزها هو النواة أو القلب وعملها المحرك والعميق لا يخصع للمراقبة أو الدراسة ولا تفسير لذلك في المصطلحات المادية ، وهي في عمل دائب ومستمر ولها غاية ومستقر خاضع لمشيئة مهيمنة ، ومن آياتها الحكيمة وترية وترددات وطواف وسعي لجزيئياتها الغير المرئية في محيطها الذري ، وسرها وغاية غاياتها مسطر و مكنون، وهذا يؤدي بنا الى فهم أسس مغايرة لهذا الخلق المبارك وفيه من الأسرار العظيمة التي تبعث على الدهشة أودعها العليم الخبير بعلمه لتكون آية من آياته المسبحة في ملكوته..
وتشكل الذرة وحدة بناء كل المادة الموجودة في الكون ، والعلم لم يستجل بعد أعماق حقائق الذرة خصوصا علم الجسيمات
دون الذرية منها sub- particles وان كان المثير حقا في هذا العلم الذي يدرس الجسيمات الأساسية للذرة أنه حتى
في أعماق هذه الجسيمات بصغرها الذي يتخطى كل حدود أو خيال نجد هناك وحدة في البناء والتماسك ووحدة في التوازنات
والتفاعلات المحبكة باتقان محكم ، ولعل طبيعة وخواص هذه الجسيمات وفقا لعناصرها المودعة يؤلف بين عدد من النظم في
الكون البديع المقدر بعلم ، وكيف تفتق من رتق متكامل بعناصره المحبوكة الى حركات وتدفقات موجية مولدة المادة والطاقة لتشكل
عموم الكون في سعته وتمدده الى ما شاء الله
والمتأمل في المنظومة الذرية والمنظومة الكونية سيلاحظ تلكم الفراغات الهائلة وهي ما عبر عنها كتاب الله عز وجل ( وما بينهما ) وهي اشارة
عميقة في هذا العلم الجلي الذي ينقلك الى أعماق مكنونات الذرة بصفاتها وجسيماتها وما دونها والتي تشمل خصائص لم يكشف عنها العلم الحديث
ولولا هذه الخصائص المودعة في المنظومة الذرية ما قامت للكون قائمة ، فالرمل اذا جاءته الريح تظهر عليه تموجات وطرائق وكذلك الماء وتسمى
هذه التموجات والطرائق حبكا ، وان أي ارتقاء الى السماء لا يمكن أن يكون سليما دون مراعاة قانون العروج ، وهي خاصية أخرى عميقة وفاعلة
نجدها في أعماق مواصفات الذرة والتي أسماها العلم بقوى الجذب والطرد
ان أبعاد الحدود في المادة لا يفسر الا بالمادة والطاقة في أصغر منظومة أو في أكبر منظومة وتفاعلهما وفق نظام بديع وصنع متقن وتوازن محكم بين
القوى المهيمنة والتي تجلي لنا علما محكما بين كل الأجزاء العميقة لهذه الجسيمات وما دونها في عوالم لا نهائية من الأسرار البديعة في هذا الخلق المحكم
والبديع ، فسبحان الخالق
فما تفسير هذه القوى الخفية ومصدرها وفقا لنظرية الأوتار الفائقة ( الماء ) هذا الماء الذي ورد متشابها في بعض الآيات
والذي هو محكم عند الله ؟ وكما يستجلى أنه لا يحدث أي فوضى
داخل الذرة وما دونها رغم حركية
الالكترونات بسرعة لا تصدق في المسرعات وهذه الالكترونات هي في حقيقتها جسيمات تبدو بخصائص متفردة منها طاقية ومنها مادية ،
فما تكون هذه الأوتار الفائقة مادة أو طاقة مع العلم أن
كل وتر من هذه الأوتار حجمه صغير جدا مقارنة بالذرة فهو كحجم شجرة من حجم كوكب الأرض ولكم أن تتخيلوا ذلك اذ يتعدى حدود الخيال، وكل اهتزاز معين لتلك الأوتار يعطي الجزيء
خصائص مختلفة، فقد يشكل الاهتزاز جزيئا مكونا لذرات المادة أو الطاقة أو الجاذبية، إلكترونات أو جزيئات ألفا أو بيتا أو أدنى فكل ما في هذا الكون من مادة
أو طاقة أو شحنات هي في الواقع أوتار لكنها مهتزة بطرق مختلفة ، والفرق الوحيد بين الجزيئات التي تعطي مادة الخشب والجزيئات التي تعطي طاقة الجاذبية
هو طريقة اهتزاز تلك الأوتار فقط فكانت نظرية الأوتار الفائقة حلقة الوصل بين ميكانيكا الكم والنظرية النسبية
مع العلم أن الخط الفاصل للوجود المادي هو الكواركات وبعد هذه النقطة الفاصلة لا يمكن التعبير عن كل الأشياء الموجودة الا باعتبارها أنها طاقة ، ويبقى
التصور النظري بعد هذه الحدود بحاجة الى اثباث ، والكون آية من آيات الله في خلقه وكل محدود هو مخلوق متناهي مقهور للحدود ومتسم بالفقدان والانعدام
والنقص والحاجة وكل الأسئلة التي يطرحها العقل هي في نطاق حدوده المادية كالأينية والمكانية والزمانية والنسبية والقبلية والبعدية والأحجام والمقادير ، وهذا
من أهم ميزات المعرفة العقلية ، ولا يمكن تصور أبعاد تتخطى حدود العقل ان لم يكن سلاحها عل الأقل القليل من العلم لأن الذي يفسر الماء الذي هو من عالم
الملكوت بأنه هو الماء المعروف في محيطينا المخلوق فهذا ضرب من الخبال ، ولا مجال لتصور الأبعاد المادية المخلوقة بالمطلقة ، وهناك ظواهر لا محدودة هي
في حقيقتها تفاعلات عميقة تحدث في محيط الذرة ومجالاتها فتجعل مواصفات معينة ودقيقة ولولاها ما رأينا هذه النظم المودعة في الكون بهذه الدقة ، وهذا
الاتزان الدقيق في المحيط الذري بحيث لا نجد أي تفاوت في هذا الخلق المحكم البديع بآياته التي لا تعد ولا تحصى ، فلا يجب أن نسقط في المجردات علما أن كل
مخلوق هو مفتقر ، فوصف السماء بالسقف المحفوظ فهنا اشارة الى خاصية معينة في التركيب الذري وهي خاصية علمية عميقة نجدها في بناء الغلاف الجوي
للأرض ، وكم من الظواهر المحيطة بنا ولا يمكن أن تستجلى الا بالعلم وما يحيط بالذرة في محيطها المتفاعل بانسيابية عالية وفائقة ، وهناك آليات محكمة
منتظمة ومتفاعلة في كل جزء من المليون في الثانية أو أقل من ذلك .
ان الذي يعتقد أنه وصل بعلمه الى مشارف الحقيقة فهذا هو عين الجهل والطلب في هذا العلم هو عين البعد فتسقط كل الأقيسة والرسوم من حسم العقل
ان اغتر الانسان فليس لنا من العلم الا القليل، فكل جزئية في الدين قاصدة مقصدا ساميا سواء في الجانب المبدئي والعقائدي أو من جانب السلوك الأخلاقي ، أو
العلمي وتطوير كثير من المناهج والأدوات أصبح ضرورة ملحة لربط هذه المقاصد بالمعارف البرهانية المختلفة والتي ترقى بالانسان فكرا وسلوكا
وفق الغايات الاحسانية والعدلية .
والعبد يقيس الأشياء بحسب ما يتعقله ، والعبد كلما تصور شيئا كبيرا الا وطمح الى ما هو أكبر منه ، وهذا من صفة العقل المخلوق المفتقر الى الكمال
الذي ميزته الادراك والاحاطة ، والعقل يبني معارفه على أساس المنطق السليم ليصل الى استلهام الحقائق مدركا أبعادها وجوانبها الخفية ، لذا نجد أن
دلالة المعجزة عقلية ، ومن ميزة العقل أنه اذا أتعظ أطاع وأصبح عقلا نافعا مدركا واستضاء من نور المعرفة واتخذ سبيل التقوى في مرضاة الله تعالى حريصا على طاعته .
فالمنهج في دراسة وتفسير معادلة الكون عند الغرب تبدأ من الفيزياء والبحث في الجسيمات الأساسية للمادة، ولقد تعددت نظريات وفرضيات الفيزيائيين منطلقين
من مبادئ وأسس الميكانيك الكوانتية في نطاق المادة الجدلية ووضعوا دراسة لطيف الكتلات وصنفوا التفاعلات لجزيئات عناصر الذرة في أقصى تركيباتها والنتائج
المحصلة في نظرية ميكانيكا الكم جعلت الفهم بأخذ بعدا آخر في المراقبة والقيام بتجارب أعمق في مكونات الذرة.
وعندما نتأمل هذا الوجود من حولنا نحس أن هناك تناغما بين ما يكوننا وطبيعة هذا الخلق العظيم بعظمة الله عز وجل وكلما كان هذا التناغم أكبر الا واشرقت أسرار وراء
هذه الطبيعة وأصبح الوجود أكثر رونقا في النفس ، وأطلت تباشير يوم موعود ، ورفرف الحنين والشوق واستنشق تسابيح رنامة من صبح موعده قريب ، ويطير الحنين والشوق
الى ما هو أرحب ويلمس نورا رسمته حجب العزة في سرادقات ملك عظيم ، فسبحان الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، لا يعجزه شيء
سبحانه وتعالى في الأرض ولا في السماء ، العقول لا تدركه والقلوب تفقهه لأنها موصولة بعالم الملكوت
والمادة المخلوقة لا تفسر الا بالعلم ومعادلات رياضية دقيقة وعميقة ولكن الانسان لا يستطيع تفسير أعماق بنياتها وأسسها الراسخة الا
ما يظهر من تفاعلاتها المسطرة بعناية في هذا الكون الفسيح والبديع .
وعندما تقدمت العلوم الفيزيائية أشواطا وظهرت الى الوجود نظرية ميكانيكا الكم وهي بحث عميق في أسرار الذرة ومكوناتها وجزئياتها ، وعلى
أساس ذلك شيد الغرب مسرعات هائلة لادخال عنصر المراقبة لفهم أسرار الذرة وشرح ألغازها ، والغرب في شروحه يفسر دائما العقل على أساس آلية
الدماغ ، وذهبت دراسات غربية في هذا المجال وتعمقت في تفسير هذا اللغز المثير وذهبت أبحاثهم الى أن لا نهاية في رصد أدق الجزئيات وهناك دائما ما
دون هذه الجزئيات في عوالم لا متناهية من الصغر ، وهناك نسبية لا تدرك أبعادها ، وبعد حيرة لاحت في الأفق تصريحات لعلماء غربيين وقالوا : اذا كانت
الذرة في أدنى مستوياتها لا تفهم الا بالعقل ، فان العقل يعد من الأسس المطلقة في هذا الوجود..
والذرة نظام فريد ومتوازن ودقيق مبني على أسس معادلات محكمة وتمثل الذرة أساس كل شيء حي أو غير حي ، ويتجلى هذا التوازن في ثلاث قوات تنافرية
وفق سرعات محددة مما يجعلها دون أن تنهار ولو حدث تفاوت ضئيل في هذه البنية سواء في ضعفها أو شدتها ما تماسكت الذرة بعناصرها المختلفة ، وهذا
التوازن في بنية الذرة يعطيها هذا الانسياب الرائع في محيطها ويبرز ظواهر هذا الخلق البديع في أبهى حلله ومظاهره .
وهناك اشارة عميقة الدلالة وردت في النشأة الكونية قلما تنبه اليها العلماء وهي أكبر كدليل ظاهر وبين أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، وهذه
الأسس الظاهرة وهذه الصفات الكمالية الظاهرة المخلوقة ليست الا دليلا على كماله سبحانه من خلال آياته ، ومن المعلوم أن كل شيء يشهد لنفسه ، وثبوث الشيء
لنفسه ضروري ، فالعقل أينما اتجه بمعارفه يكتشف أسسا راسخة ومطلقة دالة على معادلات منيعة وحكيمة وهذا أعظم برهان على وجود الخالق العليم ، فالتتبع
الفكري لأي جزئية مهما صغرت وتضائلت قد لا يحيط بها الفكر وبمجالاتها الباهرة والمتكاملة الغير المحدودة والتي لا تنتهي الى حد أو مكان أو نظرية أو ما شابه وهي ظاهرة بخلاف كل شيء مخلوق .
فهناك وحدة شاملة في الكمال والجمال والصفات المحكمة والمتماسكة في آية بديعة من خلق الله عز وجل ، والآية العجيبة في هذا الخلق المحكم والبديع
أن التركيب الذري الذي يعد بناءا في أعمق مواصفاته تحكمه قوى خفية ، ومن ميزة هذه القوى أنها تحفظ نواة الذرة سليمة وتمنعها من التجزؤ وهو ما
عبر عنها سبحانه بالمسك ، والذرة تحافظ على تماسكها بفضل قوتين متفاعلتين ، وهناك توازن دقيق ومحكم يظهر في أعماق الذرة ومواصفاتها التي شدت
وأحكمت ، ولغويا نقول حبك وشد الحبل أي اذا أحكم ربطه وهذا ما عنته الآية في أجزل عبارة وأدق اشارة ، وهذا البناء المتماسك يأخذ صفة الجمال والبهاء وزينة
في أكمل نظرة متماوجة بمعارجها وطرائقها ، والسماء سماء بتركيبها الذري ومنظومات مركبة بانسياب هائل وفائق ومحكم وفق تشكيل بديع بأعمدتها وجسورها وخيوطها
المحبوكة باتقان ، وهذه التوازنات المحبوكة لم تنشأ صدفة بل بقدر عظيم من الحكمة وخلق واع مبدع ، كما أن هذه الحبك هي من تآلف عناصر مختلفة والتي تؤلف الكون
في انسياب فائق ومنظومته الذرية ما يعطيه هذه الجمالية الرائعة ، والثوب المحبوك هو الثوب التي تظهر فيه أثر حسن الصنعة ، فسبحان الخالق العليم الذي ألف
بين عناصر هذه الجسيمات المادية الأولية التي بتراكبها تكونت الذرات في رتق لتتفتق بعناصرجسيمات ذراتها فتشكل عموم الكون البديع ، وهذا ناشئ عن قدرة الله تعالى وعلمه المحيط وحكمته المطلقة التي أعطت للمادة رونقها وجمالها بنسب غير متفاوتة في جزئياتها ومقاييس تخضع لنظم محكمة ، والمتأمل يرى عجبا عجابا لا يحاكي أيا من المعارف لأن طريقة عملها خاصة وفريدة ومتألقة لا تخضع لحدود سمات العقل ومواهبه ويتطلب الفهم نوعا كبيرا من الخيال ، ونتيجة لعجز العلماء التام عن تفسير هذا السلوك المتفرد لبنائيات الذرة ومكنوناتها وتفاديا لهذه الورطة أطلقوا اسم (الحركة الكمية الميكانيكية ) ولولا لهذه الخصائص المتفردة الغير المفهومة في طبيعة المادة والمختلفة عن كل أصناف العلوم ما كان هذا البناء الذري الذي به قامت السموات والأرض وما لاحظنا هذه الظواهر في الكون والمظاهر البديعة في الطبيعة بساحريتها وجمالها البديع وهذا الرونق في بناء الكون بمنظوماته وأجرامه وهو عبارة عن نظام مدهش موزون يأخذ بالألباب والعقول .

وهل سطع نور الا بظهوره وهو الظاهر سبحانه
فيا جامع الكمالات يا ذا الفضل العظيم
تقدست وتعاليت ، ونشهدك ونشهد حملة عرشك
وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا اله الا أنت وحدك لا شريك لك
وأن محمدا عبدك ورسولك .

لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وعلى كافة المرسلين وعباده الصالحين

تقديم :

 خلق الله عرشه ووصفه بالمجيد والعظيم والكريم ليتسق الفهم في الادراك لفهم عظمة الله ومجده وعزته وملكوته وهذا يعني أن الله تعالى تام القدرة والحكمة والاحاطة فلم يخلق الله العرش لأنه محتاج اليه بل هو غني عمن سواه فحملة عرشه محمولين له محفوطين بعنايته فكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته وهو الحامل ما في البر والبحر الممسك
السموات والأرض أن تزولا فالمحمول هو ما سوى الله والعرش كان على الماء والرب فوقه بقهره وقدرته واحاطته وعلوه
وقد خصص الله بأن أضافه الى نفسه تشريفا وتنبيها على أنه أعظم مخلوقاته من حيث الاتساع والبهاء
والحسن والجمال ما لا يعلمه الا الله ، ولا يجوز أن يتوهم متوهم أن تخصيص الله للعرش بالذكر يقتضي أن يكون الله مستقر عليه بل وصفه الله بالمجيد ويعني أن قدرة الله نافذة في كل شيء وتعالى الله علوا كبيرا فهو رب العرش عما يصفون
ووصف الحق سبحانه العرش بالكريم ، ويعني ذلك أن علم الله مشع مبارك تتجلى منه أنواره ومكارمه وبركاته الزكية فهو سبحانه رفيع الدرجات ذو العرش فتعالى الله الملك الحق لا اله الاهو رب العرش العظيم .

ورد في القرآن الكريم ذكر الماء متشابها والذي هو محكم عند الله ليتسق الفهم في الادراك لفهم عظمة
قدرة الله في خلقه وعلمه وحكمته  وبديع ملكوته

تعد الذرة نواة في هذا الخلق المبارك بتفاعلاتها وطاقاتها وقواها وأسرارها الخفية ، وكلما تعمق فيها الانسان ازدادت متاهاته ومجاهله ، وأدى ذلك به الى عدم الفهم والحيرة ، والذرة أسرارها المحركة مودعة باحكام في قلبها ونواتها ، ولا يستطيع الانسان أن يفهم حقائقها المطلقة ، لذا فالذرة لغزها هو النواة أو القلب وعملها المحرك والعميق لا يخصع للمراقبة أو الدراسة ولا تفسير لذلك في المصطلحات المادية ، وهي في عمل دائب ومستمر ولها غاية ومستقر خاضع لمشيئة مهيمنة ، ومن آياتها الحكيمة وترية وترددات وطواف وسعي لجزيئياتها الغير المرئية في محيطها الذري ، وسرها وغاية غاياتها مسطر و مكنون، وهذا يؤدي بنا الى فهم أسس مغايرة لهذا الخلق المبارك وفيه من الأسرار العظيمة التي تبعث على الدهشة أودعها العليم الخبير بعلمه لتكون آية من آياته المسبحة في ملكوته..
وتشكل الذرة وحدة بناء كل المادة الموجودة في الكون ، والعلم لم يستجل بعد أعماق حقائق الذرة خصوصا علم الجسيمات
دون الذرية منها sub- particles وان كان المثير حقا في هذا العلم الذي يدرس الجسيمات الأساسية للذرة أنه حتى
في أعماق هذه الجسيمات بصغرها الذي يتخطى كل حدود أو خيال نجد هناك وحدة في البناء والتماسك ووحدة في التوازنات
والتفاعلات المحبكة باتقان محكم ، ولعل طبيعة وخواص هذه الجسيمات وفقا لعناصرها المودعة يؤلف بين عدد من النظم في
الكون البديع المقدر بعلم ، وكيف تفتق من رتق متكامل بعناصره المحبوكة الى حركات وتدفقات موجية مولدة المادة والطاقة لتشكل
عموم الكون في سعته وتمدده الى ما شاء الله
والمتأمل في المنظومة الذرية والمنظومة الكونية سيلاحظ تلكم الفراغات الهائلة وهي ما عبر عنها كتاب الله عز وجل ( وما بينهما ) وهي اشارة
عميقة في هذا العلم الجلي الذي ينقلك الى أعماق مكنونات الذرة بصفاتها وجسيماتها وما دونها والتي تشمل خصائص لم يكشف عنها العلم الحديث
ولولا هذه الخصائص المودعة في المنظومة الذرية ما قامت للكون قائمة ، فالرمل اذا جاءته الريح تظهر عليه تموجات وطرائق وكذلك الماء وتسمى
هذه التموجات والطرائق حبكا ، وان أي ارتقاء الى السماء لا يمكن أن يكون سليما دون مراعاة قانون العروج ، وهي خاصية أخرى عميقة وفاعلة
نجدها في أعماق مواصفات الذرة والتي أسماها العلم بقوى الجذب والطرد
ان أبعاد الحدود في المادة لا يفسر الا بالمادة والطاقة في أصغر منظومة أو في أكبر منظومة وتفاعلهما وفق نظام بديع وصنع متقن وتوازن محكم بين
القوى المهيمنة والتي تجلي لنا علما محكما بين كل الأجزاء العميقة لهذه الجسيمات وما دونها في عوالم لا نهائية من الأسرار البديعة في هذا الخلق المحكم
والبديع ، فسبحان الخالق
فما تفسير هذه القوى الخفية ومصدرها وفقا لنظرية الأوتار الفائقة ( الماء ) هذا الماء الذي ورد متشابها في بعض الآيات
والذي هو محكم عند الله ؟ وكما يستجلى أنه لا يحدث أي فوضى
داخل الذرة وما دونها رغم حركية
الالكترونات بسرعة لا تصدق في المسرعات وهذه الالكترونات هي في حقيقتها جسيمات تبدو بخصائص متفردة منها طاقية ومنها مادية ،
فما تكون هذه الأوتار الفائقة مادة أو طاقة مع العلم أن
كل وتر من هذه الأوتار حجمه صغير جدا مقارنة بالذرة فهو كحجم شجرة من حجم كوكب الأرض ولكم أن تتخيلوا ذلك اذ يتعدى حدود الخيال، وكل اهتزاز معين لتلك الأوتار يعطي الجزيء
خصائص مختلفة، فقد يشكل الاهتزاز جزيئا مكونا لذرات المادة أو الطاقة أو الجاذبية، إلكترونات أو جزيئات ألفا أو بيتا أو أدنى فكل ما في هذا الكون من مادة
أو طاقة أو شحنات هي في الواقع أوتار لكنها مهتزة بطرق مختلفة ، والفرق الوحيد بين الجزيئات التي تعطي مادة الخشب والجزيئات التي تعطي طاقة الجاذبية
هو طريقة اهتزاز تلك الأوتار فقط فكانت نظرية الأوتار الفائقة حلقة الوصل بين ميكانيكا الكم والنظرية النسبية
مع العلم أن الخط الفاصل للوجود المادي هو الكواركات وبعد هذه النقطة الفاصلة لا يمكن التعبير عن كل الأشياء الموجودة الا باعتبارها أنها طاقة ، ويبقى
التصور النظري بعد هذه الحدود بحاجة الى اثباث ، والكون آية من آيات الله في خلقه وكل محدود هو مخلوق متناهي مقهور للحدود ومتسم بالفقدان والانعدام
والنقص والحاجة وكل الأسئلة التي يطرحها العقل هي في نطاق حدوده المادية كالأينية والمكانية والزمانية والنسبية والقبلية والبعدية والأحجام والمقادير ، وهذا
من أهم ميزات المعرفة العقلية ، ولا يمكن تصور أبعاد تتخطى حدود العقل ان لم يكن سلاحها عل الأقل القليل من العلم لأن الذي يفسر الماء الذي هو من عالم
الملكوت بأنه هو الماء المعروف في محيطينا المخلوق فهذا ضرب من الخبال ، ولا مجال لتصور الأبعاد المادية المخلوقة بالمطلقة ، وهناك ظواهر لا محدودة هي
في حقيقتها تفاعلات عميقة تحدث في محيط الذرة ومجالاتها فتجعل مواصفات معينة ودقيقة ولولاها ما رأينا هذه النظم المودعة في الكون بهذه الدقة ، وهذا
الاتزان الدقيق في المحيط الذري بحيث لا نجد أي تفاوت في هذا الخلق المحكم البديع بآياته التي لا تعد ولا تحصى ، فلا يجب أن نسقط في المجردات علما أن كل
مخلوق هو مفتقر ، فوصف السماء بالسقف المحفوظ فهنا اشارة الى خاصية معينة في التركيب الذري وهي خاصية علمية عميقة نجدها في بناء الغلاف الجوي
للأرض ، وكم من الظواهر المحيطة بنا ولا يمكن أن تستجلى الا بالعلم وما يحيط بالذرة في محيطها المتفاعل بانسيابية عالية وفائقة ، وهناك آليات محكمة
منتظمة ومتفاعلة في كل جزء من المليون في الثانية أو أقل من ذلك .
ان الذي يعتقد أنه وصل بعلمه الى مشارف الحقيقة فهذا هو عين الجهل والطلب في هذا العلم هو عين البعد فتسقط كل الأقيسة والرسوم من حسم العقل
ان اغتر الانسان فليس لنا من العلم الا القليل، فكل جزئية في الدين قاصدة مقصدا ساميا سواء في الجانب المبدئي والعقائدي أو من جانب السلوك الأخلاقي ، أو
العلمي وتطوير كثير من المناهج والأدوات أصبح ضرورة ملحة لربط هذه المقاصد بالمعارف البرهانية المختلفة والتي ترقى بالانسان فكرا وسلوكا
وفق الغايات الاحسانية والعدلية .
والعبد يقيس الأشياء يحسب ما يتعقله ، والعبد كلما تصور شيئا كبيرا الا وطمح الى ما هو أكبر منه ، وهذا من صفة العقل المخلوق المفتقر الى الكمال
الذي ميزته الادراك والاحاطة ، والعقل يبني معارفه على أساس المنطق السليم ليصل الى استلهام الحقائق مدركا أبعادها وجوانبها الخفية ، لذا نجد أن
دلالة المعجزة عقلية ، ومن ميزة العقل أنه اذا أتعظ أطاع وأصبح عقلا نافعا مدركا واستضاء من نور المعرفة واتخذ سبيل التقوى في مرضاة الله تعالى حريصا على طاعته .
فالمنهج في دراسة وتفسير معادلة الكون عند الغرب تبدأ من الفيزياء والبحث في الجسيمات الأساسية للمادة، ولقد تعددت نظريات وفرضيات الفيزيائيين منطلقين
من مبادئ وأسس الميكانيك الكوانتية في نطاق المادة الجدلية ووضعوا دراسة لطيف الكتلات وصنفوا التفاعلات لجزيئات عناصر الذرة في أقصى تركيباتها والنتائج
المحصلة في نظرية ميكانيكا الكم جعلت الفهم بأخذ بعدا آخر في المراقبة والقيام بتجارب أعمق في مكونات الذرة.
وعندما نتأمل هذا الوجود من حولنا نحس أن هناك تناغما بين ما يكوننا وطبيعة هذا الخلق العظيم بعظمة الله عز وجل وكلما كان هذا التناغم أكبر الا واشرقت أسرار وراء
هذه الطبيعة وأصبح الوجود أكثر رونقا في النفس ، وأطلت تباشير يوم موعود ، ورفرف الحنين والشوق واستنشق تسابيح رنامة من صبح موعده قريب ، ويطير الحنين والشوق
الى ما هو أرحب ويلمس نورا رسمته حجب العزة في سرادقات ملك عظيم ، فسبحان الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم ، لا يعجزه شيء
سبحانه وتعالى في الأرض ولا في السماء ، العقول لا تدركه والقلوب تفقهه لأنها موصولة بعالم الملكوت
والمادة المخلوقة لا تفسر الا بالعلم ومعادلات رياضية دقيقة وعميقة ولكن الانسان لا يستطيع تفسير أعماق بنياتها وأسسها الراسخة الا
ما يظهر من تفاعلاتها المسطرة بعناية في هذا الكون الفسيح والبديع .
وعندما تقدمت العلوم الفيزيائية أشواطا وظهرت الى الوجود نظرية ميكانيكا الكم وهي بحث عميق في أسرار الذرة ومكوناتها وجزئياتها ، وعلى
أساس ذلك شيد الغرب مسرعات هائلة لادخال عنصر المراقبة لفهم أسرار الذرة وشرح ألغازها ، والغرب في شروحه يفسر دائما العقل على أساس آلية
الدماغ ، وذهبت دراسات غربية في هذا المجال وتعمقت في تفسير هذا اللغز المثير وذهبت أبحاثهم الى أن لا نهاية في رصد أدق الجزئيات وهناك دائما ما
دون هذه الجزئيات في عوالم لا متناهية من الصغر ، وهناك نسبية لا تدرك أبعادها ، وبعد حيرة لاحت في الأفق تصريحات لعلماء غربيين وقالوا : اذا كانت
الذرة في أدنى مستوياتها لا تفهم الا بالعقل ، فان العقل يعد من الأسس المطلقة في هذا الوجود..
والذرة نظام فريد ومتوازن ودقيق مبني على أسس معادلات محكمة وتمثل الذرة أساس كل شيء حي أو غير حي ، ويتجلى هذا التوازن في ثلاث قوات تنافرية
وفق سرعات محددة مما يجعلها دون أن تنهار ولو حدث تفاوت ضئيل في هذه البنية سواء في ضعفها أو شدتها ما تماسكت الذرة بعناصرها المختلفة ، وهذا
التوازن في بنية الذرة يعطيها هذا الانسياب الرائع في محيطها ويبرز ظواهر هذا الخلق البديع في أبهى حلله ومظاهره .
وهناك اشارة عميقة الدلالة وردت في النشأة الكونية قلما تنبه اليها العلماء وهي أكبر كدليل ظاهر وبين أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، وهذه
الأسس الظاهرة وهذه الصفات الكمالية الظاهرة المخلوقة ليست الا دليلا على كماله سبحانه من خلال آياته ، ومن المعلوم أن كل شيء يشهد لنفسه ، وثبوث الشيء
لنفسه ضروري ، فالعقل أينما اتجه بمعارفه يكتشف أسسا راسخة ومطلقة دالة على معادلات منيعة وحكيمة وهذا أعظم برهان على وجود الخالق العليم ، فالتتبع
الفكري لأي جزئية مهما صغرت وتضائلت قد لا يحيط بها الفكر وبمجالاتها الباهرة والمتكاملة الغير المحدودة والتي لا تنتهي الى حد أو مكان أو نظرية أو ما شابه وهي ظاهرة بخلاف كل شيء مخلوق .
فهناك وحدة شاملة في الكمال والجمال والصفات المحكمة والمتماسكة في آية بديعة من خلق الله عز وجل ، والآية العجيبة في هذا الخلق المحكم والبديع
أن التركيب الذري الذي يعد بناءا في أعمق مواصفاته تحكمه قوى خفية ، ومن ميزة هذه القوى أنها تحفظ نواة الذرة سليمة وتمنعها من التجزؤ وهو ما
عبر عنها سبحانه بالمسك ، والذرة تحافظ على تماسكها بفضل قوتين متفاعلتين ، وهناك توازن دقيق ومحكم يظهر في أعماق الذرة ومواصفاتها التي شدت
وأحكمت ، ولغويا نقول حبك وشد الحبل أي اذا أحكم ربطه وهذا ما عنته الآية في أجزل عبارة وأدق اشارة ، وهذا البناء المتماسك يأخذ صفة الجمال والبهاء وزينة
في أكمل نظرة متماوجة بمعارجها وطرائقها ، والسماء سماء بتركيبها الذري ومنظومات مركبة بانسياب هائل وفائق ومحكم وفق تشكيل بديع بأعمدتها وجسورها وخيوطها
المحبوكة باتقان ، وهذه التوازنات المحبوكة لم تنشأ صدفة بل بقدر عظيم من الحكمة وخلق واع مبدع ، كما أن هذه الحبك هي من تآلف عناصر مختلفة والتي تؤلف الكون
في انسياب فائق ومنظومته الذرية ما يعطيه هذه الجمالية الرائعة ، والثوب المحبوك هو الثوب التي تظهر فيه أثر حسن الصنعة ، فسبحان الخالق العليم الذي ألف
بين عناصر هذه الجسيمات المادية الأولية التي بتراكبها تكونت الذرات في رتق لتتفتق بعناصرجسيمات ذراتها فتشكل عموم الكون البديع .